حسن الأمين

306

مستدركات أعيان الشيعة

يخشى مطله ، ويخاف ليه وقوته . واللذة التي لم تحتسب ولم ترتقب يتضاعف بها الالتذاذ والاستمتاع ، وأنه وصل من قاطع ، وزيارة من هاجر ، وعطاء من مانع ، وبذل من ضنين ، وجود من بخيل ، وللشيء بعد ضده من النفوس موقع معروف غير مجهول . ومن مليح مدحه وغريبه : أنه لقاء واجتماع لا يشعر الرقباء بهما ، ولا يخشى منع منهما ، ولا اطلاع عليهما ، والتهمة بهما زائلة ، والريبة عنهما عادلة ، وأنه تمتع وتلذذ ، لا يتعلق بهما تحريم ، ولا يدنو إليهما تأثيم ، ولا عيب فيهما ولا عار « . ( 1 ) والذي انتهيت إليه من تتبع تلك النصوص التي مرت بك ومن سواها أن النثر فيها مزيج من الترسل والتفصيل والازدواج ، لا يلتزم أحدهما طوال النص ولا يتركهما معا إلى غيرهما في جملة النص ، وأنه يتجنب المفردات اللغوية التي تثقل على النطق - وليس ذلك شانه في الشعر - أو تقل شيوعا في الاستعمال ، ويتحاشى الغلو في استعمال المجاز ، وأنواع البديع ، اللهم إلا ما كان من طباق أو سجع يأتي في الأغلب عفوا ، غير بادي أثر التكلف فيه : وأنه مقتصد لا يعيد ويبدي على المعنى أكثر من مرة ، حتى ينتقل إلى غيره . أما أفكاره فهي في الأغلب منطقية متسلسلة ، تروي العقل ، وتبل العاطفة ، ولا ترتفع بالخيال إلا بمقدار . فان قرنته بمنشئي عصره من أعلام الأدب ألفيته دونهم ماء ورواء ، وألفيت أكثرهم دونه تحديدا للأفكار ، وتفصيلا للألفاظ على أقدار المعاني ، وهو إلى أن يكون عالما يصطنع الأدب ، أقرب من أن يكون أديبا يتكلف العلم . أ - شعره الغزلي لا تتوقع أن تجد في المرتضى شاعرا غزلا ، فهو رجل مقسم القلب بين خرائد المعاني وفاتنات الأعمال ، وإذا كان للحب زاوية من قلبه وللحسن نسرب إلى حناباه ، فاحر بلسانه أن يضل طريقه إليها ، وفي قلبه ، تعتلج مصطخبة تلك اللواعج من أعمال السياسة ، وتلك الهوامش من بنات العلوم والأفكار . وهبك تقول : ان يكن الشريف خلا من نوازع الحب ، فقد خلا منه كثير غيره من الشعراء ، فليكن غزلا مثلهم يعوض ما فاته من حب بما تكلفه من اصطناعه ، وليجد القول فيه نظير ما أجاد هؤلاء ؟ . وجوابي على ذلك ، أن تكلف ذلك يقتضي تمثلا لخواطر المحبين ، ووقوفا عندها ، ولم يك للرجل ذلك الفراغ المتسع لتمثل تلك الخواطر على وجه تبدو معه وكأنها من هواجس نفسه ، وأحاديث قلبه . على أن شيئا آخر ربما كان هو الذي خيل إلينا أن الرجل لم يك محبا ، ولم يكن مفتونا ، ذلك هو ما كان يظهر به من العفة والتحرج ، والوقوف بالقول عند حدود الدين والوقار ، فان يكن الأمر كذلك فجدير بمن يتكلف التستر على ما في نفسه أن تضل قريحته سبيلها بين الكلف والتكلف ، وأن تضيع النوازع النفسية بين واقع يراد كتمانه ، وباطل يراد إعلانه ، فهو مفتون بعفة ، وعفيف بفتنة ، وبين تلك وهذه تجري الخواطر متعثرة في صعود وهبوط ، واستقامة والتواء . وقد امتنع « الشريف » عن الهجو الفاحش تكرما ، وعن وصف الخمرة تأثما ، فجدير به أن يمتنع عن الغزل إلا ما كان لاثقا مناسبا برجل السياسة والدين . قال الغزل في مطالع كثيرة من قصائده ، على عادة الشعراء : ما ذا يضيرك « هند » من حبي وإذا قربت إليك من قربي ؟ لا تعجبي من صبوتي بكم فالحسن أين رأيته يصبي ورباعكم أنى أفارقها وبها غديري العذب أو عشبي ولو استطعت كتمت حبكم للضن عن قلبي وعن صحبي ومن الغرائب أنني أبدا سلم لمن هو ظالما حربي متقلبا طول الدجى أسفا كالصل من جنب إلى جنب ما تعلمين - وأنت ناعمة - من كان فيك معانق الكرب وأردت أن أسلو وذا عجب لو كان قلبك في الهوى قلبي وعذلت مني من له أذن صماء عن عذل وعن عتب ومتى يكن ذنب هواك فلا غفر الإله - وأنب لي - ذنبي ويحسن أن أشير إلى أن المرتضى في البيت الأخير : تعدى الحدود التي اختطها لنفسه من التحرج ، حيث رضي ألا يغفر الله ذنبه إن كان الحب ذنبا ، على شريطة أن تبقى حبيبته له . وما أحسبه جازف هذه المجازفة لولا التعليق على الشرط « ومتى يكن ذنب » . وأحسن غزل « المرتضى » ما لم يتكلف له ، وما لم يعن بملاحقة المعاني المقتبسة فيه من فحول الشعراء ، مما ينظمه مترسلا ، وبخاصة ما كان على بحر قصير مثل قوله : قل لجاف كلما سيم وصالا زاد ضنا ليته يزداد إحسانا كما يزداد حسنا قد لبسنا من جوى حبك ما أبلى وأضنى لا أرانا الله في نفسك ما أبصرت منا كن كما شئت فانا كيفما آثرت كنا بلغ الكاشح بالمين الذي كان تمنى فو حق الحب لم يصدقك من بلغ عنا لو درى العاذل أني لم أطعه ما تعنى لم أدع للعذل في الحب على أذني أذنا أترى عن حسن رأي زارنا طيفك وهنا لم يفدنا وطريف خادع يوجب منا إنما الطيف كلفظ فارغ ما فيه معنى كم رأينا باطلا نفس كربا من معنى فان تكلف للغزل ، واحتفل له كما يحتفل الموهوبون المنقطعون لمعاناة الشعر ، المتحررون من تقاليد المجتمع وآدابه ، ظهر أثر التكلف عليه ، وقعدت به أثقاله وأغلاله من أن يخطو خطوة إلى تلك الميادين . لقد عارض القصيدة « الدعدية » فاستحالت المتجردة فيها على لسانه حصانا عفا ، و « النصيف » الذي سقط ولم ترد إسقاطه دثارا صفيقا من

--> ( 1 ) طيف الخيال ص 4 ط مصر .